الشيخ محمد جواد البلاغي

6

الهدى إلى دين المصطفى

والعجم ، وتداخلت اللغات ، وأهجنت الألسن ، فأرفض نظام العربية ، وأشكلت مناهجها ، والتبست مقاصدها ، وكتمت أسرارها ، وتعاصى عرفانها وانفت دررها من سوم الفحام ، ونفرت أوانسها من غرائب الطبائع ، وعزفت من هجائن القرائح ، وإذ علم المسلمون وغيرهم بالعلم اليقين أن القرآن الكريم الذي هو أساس الدين ، ومنار الهدى ، ومناط الحجة ، وأنموذج الاعجاز ، قد استولى من العربية على أفلاذ كبدها ، وفرائد لئالئها ، ومفاتح كنوزها ، فلا يوصل إليه إلا من سبيلها ، ولا تقرع بابه إلا بيدها ، فلأجل ذلك نهض للتدرب فيها ، وللإلتقاط من سقط مائدتها ، والمص من وشلها فئة من الأجانب عنها ، والمتطفلين في معرفتها ، فلم يدركوا من كلام العرب شيئا إلا بطفيف النقل ، ولم يقرعوا منه أبواب أسرارها إلا بالتظني ، فأسسوا من بسيطها قواعد يتوكؤون عليها في ترعرعهم فيها ، وقد فاتهم منها يتائم درر لم تنتظمها قواعدهم ، ووقف دونها جدهم ، فلا يحظى ببعضها إلا الغائص المتعمق ، والقانص المترصد ، إذا أسعد جدهما حسن الفطنة ، وصفاء القريحة وتوقد الذكاء ، ومجانبة التقليد . ثم إن الناس إذ ذاك على اختلافهم في البضاعة والإضاعة توجهوا بقواعدهم المذكورة إلى اكتشاف أسرار القرآن الكريم ، وفهم نكاته في مقاصده التي جرى فيها على النحو الأرفع من مراقي البلاغة وفذلكات العربية فاختلف في ذلك وردهم وصدرهم ، وقاموا وقعدوا ، وترددوا بين صواب وخطأ ، وسداد ووهن ، ووجدوا في القرآن الكريم موارد قد ذيدت عنها قواعدهم ، أو قصرت عنها منقولاتهم ، أو عشت عنها أفهامهم ، فتفاوضوا فيها تفاوض الحيران ، ولا جرم فما كل زاد مبلغ ، ولا كل ظهر موصل ولا كل عدة تجدي ، ولا كل من سار وصل ، ولا كل من استنجع ورد ، ولا كل من طلب أدرك ، ولا كل من سمع وعى . والمتعرب قد نكصت به العصبية في قهقرة جعل وصار يطالب جلالة القرآن الكريم بالقواعد التي لأجل فهمه لفقها المولدون بعد اللتيا واللتي من وشل كلام العرب البسيط ، ونزر شعرهم الساذج ، وبعد تعثر الأفهام